أحمد مطلوب
204
معجم المصطلحات البلاغية وتطورها
غير الجمل » « 1 » . وتحدث عنه ابن الأثير وعقد له فصلا في « المثل السائر » وفصلا في « الجامع الكبير » وقال في تعريفه : « هو حذف زيادات الألفاظ » « 2 » ثم قال : « حدّ الايجاز هو دلالة اللفظ على المعنى من غير أن يزيد عليه ، والتطويل هو ضد ذلك ، وهو أن يدلّ على المعنى بلفظ يكفيك بعضه في الدلالة عليه » « 3 » وسماه ابن الزمكاني الإشارة كما سماه ابن سنان وقال : « هو إثبات المعاني المتكثرة باللفظ القليل » « 4 » . وقال العلوي : « هو في مصطلح أهل هذه الصناعة عبارة عن تأدية المقصود من الكلام بأقل من عبارة متعارف عليها » « 5 » . وقال السجلماسي : « هو قول مركب من أجزاء فيه مشتملة بمجموعها على مضمون تدل عليه من غير مزيد » « 6 » . وهذه التعريفات كلها لا تخرج عن القول بأنّ الايجاز هو التعبير عن المعنى بألفاظ قليلة تدل عليه دلالة واضحة . والايجاز عدة أنواع تحدث عنها المتقدمون ، ولكنهم أجمعوا على تقسيمه إلى ايجاز قصر وايجاز حذف . إيجاز التّقدير : ايجاز التقدير هو ما ساوى لفظة معناه وقد عدّه ابن الأثير « 7 » القسم الأول من الايجاز الذي لا يحذف منه شيء . وسماه ابن مالك « ايجاز التضييق » وذكر السيوطي هذه التسمية « 8 » . ومن ذلك قوله تعالى : قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ . مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ . مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ . ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ . ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ . ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ . كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ « 9 » . فقوله : قُتِلَ الْإِنْسانُ دعاء عليه وقوله : ما أَكْفَرَهُ تعجب من إفراطه في كفران نعمة اللّه عليه . ولا نرى أسلوبا أغلظ من هذا الدعاء والتعجب ولا أخشن حسّا ولا أدل سخط مع تقارب طرفيه ولا أجمع للأئمة على قصر متنه ثم أنّه أخذ في صفة حاله من ابتداء حدوثه إلى منتهى زمانه فقال : مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ثم بيّن الشيء الذي خلق منه بقوله : مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ أي هيأه لما يصلح له ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ أي سهّل سبيله وهو مخرجه من بطن أمه أو السبيل الذي يختار سلوكه من طريقي الخير والشر ، والأول أولى لأنه تال لخلقته وتقديره . ثم بعد ذلك يكون تيسير سبيله لما يختاره من طريقي الخير والشر ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ أي جعله ذا قبر يوارى فيه ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ أي : أحياه كَلَّا ردع للانسان عما هو عليه لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ أي لم يقض مع تطاول زمانه ما أمره اللّه به ، يعني أنّ انسانا لم يخل من تقصير قط ، ألا ترى إلى هذا الكلام الذي لو أردت أن تحذف منه كلمة واحدة لما قدرت على ذلك لأنّك تذهب بجزء من معناه ، والايجاز « هو أن لا يمكنك أن تسقط شيئا من ألفاظه » « 10 » . ومنه قوله - عليه الصلاة والسّلام - : « الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور متشابهات » . وهذا الحديث من أجمع الأحاديث للمعاني الكثيرة ، وذلك إنه يشتمل على جلّ الأحكام الشرعية فانّ الحلال والحرام إما أن يكون الحكم فيهما بينا لا خلاف فيه بين العلماء ، وإما أن يكون خافيا تتجاذبه وجوه
--> ( 1 ) مفتاح العلوم ص 133 . ( 2 ) المثل السائر ج 2 ص 71 ، الجامع الكبير ص 122 . ( 3 ) المثل ج 2 ص 74 . ( 4 ) التبيان ص 110 ، البرهان الكاشف ص 232 ، وينظر الايضاح في شرح مقامات الحريري ص 8 ، ونفحات ص 283 ، التبيان في البيان ص 116 . ( 5 ) الطراز ج 3 ص 316 . ( 6 ) المنزع البديع ص 181 ، الروض المريع ص 141 . ( 7 ) المثل ج 2 ص 78 ، 114 ، الجامع ص 142 ، وينظر الطراز ج 2 ص 120 . ( 8 ) المصباح ص 36 ، شرح عقود الجمان ص 69 . ( 9 ) عبس 17 - 23 . ( 10 ) المثل السائر ج 2 ص 115 .